فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}.
القصة الأولى: قصة نوح عليه السلام:
قال قوم: إن نوحًا كان اسمه يشكر، ثم سمي نوحًا لوجوه: أحدها: لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك، فأهلكهم بالطوفان فندم على ذلك وثانيها: لمراجعة ربه في شأن ابنه وثالثها: أنه مر بكلب مجذوم، فقال له إخسًا يا قبيح، فعوتب على ذلك، فقال الله له: أعبتني إذ خلقته، أم عبت الكلب.
وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى.
أما قوله: {اعبدوا الله} فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة الله تعالى وحده، ولا يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته أولًا، لأن عبادة من لا يكون معلومًا غير جائزة وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة.
أما قوله: {مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ} فالمراد أن عبادة غير الله لا تجوز إذ لا إله سواه.
ومن حق العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما بعدهما، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف يعبد ما لا يضر ولا ينفع؟ وقرئ غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ، ثم إنه لما لم ينفع فيهم هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى حذرهم بقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} لأن ذلك زجر ووعيد باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه.
ثم إنه سبحانه حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح عليه السلام.
الشبهة الأولى: قولهم: {مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} وهذه الشبهة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال إنه لما كان مساويًا لسائر الناس في القوة والفهم والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض امتنع كونه رسولًا لله، لأن الرسول لابد وأن يكون عظيمًا عند الله تعالى وحبيبًا له، والحبيب لابد وأن يختص عن غير الحبيب بمزيد الدرجة والمعزة، فلما فقدت هذه الأشياء علمنا انتفاء الرسالة والثاني: أن يقال هذا الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور، ولكنه أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلًا إلا بادعاء النبوة، فصار ذلك شبهة لهم في القدح في نبوته، فهذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى خبرًا عنهم {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يريد أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى: {وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء في الأرض} [يونس: 78].
الشبهة الثانية: قولهم: {وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة} وشرحه أن الله تعالى لو شاء إرشاد البشر لوجب أن يسلك الطريق الذي يكون أشد إفضاء إلى المقصود، ومعلوم أن بعثة الملائكة أشد إفضاء إلى هذا المقصود من بعثة البشر، لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم، فالخلق ينقادون إليهم، ولا يشكون في رسالتهم، فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أرسل رسولًا ألبتة.
الشبهة الثالثة: قولهم: {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} وقوله بهذا إشارة إلى نوح عليه السلام، أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله تعالى، أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام، أو بمثل هذا الذي يدعى وهو بشر أنه رسول الله، وشرح هذه الشبهة أنهم كانوا أقوامًا لا يعولون في شيء من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول الآباء، فلما لم يجدوا في نبوة نوح عليه السلام هذه الطريقة حكموا بفسادها.
قال القاضي: يحتمل أن يريدوا بذلك كونه رسولًا مبعوثًا، لأنه لا يمتنع فيما تقدم من زمان آبائهم أنه كان زمان فترة، ويحتمل أن يريدوا بذلك دعاءهم إلى عبادة الله تعالى وحده، لأن آباءهم كانوا على عبادة الأوثان.
الشبهة الرابعة: قولهم: {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} والجنة: الجنون أو الجن، فإن جهال العوام يقولون في المجنون زال عقله بعمل الجن، وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل أفعالًا على خلاف عاداتهم، فأولئك الرؤساء كانوا يقولون للعوام إنه مجنون، ومن كان مجنونًا فكيف يجوز أن يكون رسولًا.
الشبهة الخامسة: قولهم: {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حتى حِينٍ} وهذا يحتمل أن يكون متعلقًا بما قبله أي أنه مجنون فاصبروا إلى زمان حتى يظهر عاقبة أمره فإن أفاق وإلا قتلتموه ويحتمل أن يكون كلامًا مستأنفًا وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبيًا حقًا فالله ينصره ويقوي أمره فنحن حينئذ نتبعه وإن كان كاذبًا فالله يخذله ويبطل أمره، فحينئذ نستريح منه، فهذه مجموع الشبه التي حكاها الله تعالى عنهم، واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب عنها لركاكتها ووضوح فسادها، وذلك لأن كل عاقل يعلم أن الرسول لا يصير رسولًا إلا لأنه من جنس الملك وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات فسواء كان من جنس الملك أو من جنس البشر فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولًا، بل جعل الرسول من جملة البشر أولى لما مر بيانه في السور المتقدمة وهو أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة، وأما قولهم {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} فإن أرادوا به إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم الانقياد لطاعته فهذا واجب على الرسول، وأن إرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والانقياد فالأنبياء منزهون عن ذلك، وأما قولهم ما سمعنا بهذا فهو استدلال بعدم التقليد على عدم وجود الشيء وهو في غاية السقوط لأن وجود التقليد لا يدل على وجود الشيء فعدمه من أين يدل على عدمه، وأما قولهم به جنة، فقد كذبوا لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله، وأما قولهم: فتربصوا به، فضعيف لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته وهي المعجزة وجب عليهم قبول قوله في الحال، ولا يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته لأن الدولة لا تدل على الحقية، وإن لم يظهر المعجز لم يجز قبول قوله سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر، ولما كانت هذه الأجوبة في نهاية الظهور لا جرم تركها الله سبحانه. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِي ءَابَائِنَا الأَوَّلِينَ}.
فيه وجهان:
أحدهما: ما سمعنا بمثل دعوته.
والثاني: ما سمعنا بمثله بشرًا أتى برسالة من ربه.
وفي أبائهم الأولين وجهان:
أحدهما: أنه الأب الأدنى، لأنه أقرب، فصار هو الأول.
والثاني: أنه الأب الأبعد لأنه أوّل أبٍ وَلدَك.
{فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} فيه وجهان: أحدهما: حتى يموت.
الثاني: حتى يستبين جنونه. اهـ.

.قال ابن عطية:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}.
هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها فأهلكوا، ففي ضمن ذلك الوعيد بأن يحل بهؤلاء نحو ما حل بأولئك، و نوح عليه السلام أول نبي أرسل إلى الناس وإدريس أول من نبيّ ولم يرسل، و{الملأ} الأشراف لأنهم عنهم يصدر الملأ وهو جمع القوم، وفي قوله: {هؤلاء} استبعاد بعثة البشر وهم قوم مقرون بالملائكة وذلك لا شك متقرر عندهم من بقايا نبوءة آدم وإدريس وغيرهما. ولم يكن عن علم صحيح ولا معرفة بأخبار نبوءة والجنة جنون، {فتربصوا} معناه فاصبروا وانتظروا هلاكه، و{حتى حين} معناه إلى وقت ولم يعينوه وإنما أرادوا إلى وقت يريحكم القدر منه. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {ولقد أرسلْنا نوحًا إِلى قومه}.
قال المفسرون: هذا تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بذِكْر هذا الرسول الصابر ليتأسَّى به في صبره، وليعلم أن الرسل قبله قد كُذِّبوا.
قوله تعالى: {يريد أن يتفضَّل عليكم} أي: يعلوكم بالفضيلة، فيصير متبوعًا، {ولو شاء الله} أن لا يُعبَد شيء سواه {لأنزل ملائكة} تبلّغ عنه أمره، لم يرسل بشرًا {ما سمعنا بهذا} الذي يدعونا إِليه نوح من التوحيد {في آبائنا الأولين}.
فأما الجِنَّةُ فمعناها: الجنون.
وفي قوله: {حتى حين} قولان:
أحدهما: أنه الموت، فتقديره: انتظروا موته.
والثاني: أنه وقت منكَّر. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ}.
قرئ بالخفض ردًّا على اللفظ، وبالرفع ردًا على المعنى.
وقد مضى في الأعراف.
قوله تعالى: {مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يسودكم ويشرُف عليكم بأن يكون متبوعًا ونحن له تبع.
{وَلَوْ شَاءَ الله لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} أي لو شاء الله ألاّ يعبد شيء سواه لجعل رسوله مَلَكًا.
{مَّا سَمِعْنَا بهذا} أي بمثل دعوته.
وقيل: ما سمعنا بمثله بشرًا؛ أتى برسالة ربه.
{في آبَآئِنَا الأولين} أي في الأمم الماضية؛ قاله ابن عباس.
والباء في بهذا زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائنًا في آبائنا الأوّلين، ثم عطف بعضهم على بعض فقالوا: {إِنْ هُوَ} يعنون نوحًا {إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي جنون لا يدري ما يقول.
{فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حتى حِينٍ} أي انتظروا موته.
وقيل: حتى يستبين جنونه.
وقال الفراء: ليس يراد بالحين هاهنا وقت بعينه، إنما هو كقوله: دعه إلى يومٍ مّا. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ}.
شروعٌ في بيانِ إهمال الأُمم السَّابقةِ وتركهم النَّظرَ والاعتبارَ فيما عُدِّد من النِّعمِ الفائتة للحصر وعدم تذكرهم بتذكير رسلهم وما حاقَ بهم لذلك من فُنون العذاب تحذيرًا للمُخاطبين. وتقديمُ قصَّةِ نوحٍ عليه السَّلامُ على سائرِ القصصِ مما لا يخفى وجهُه، وفي إيرادِها إثرَ قوله تعالى: {وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ} من حُسنِ الموقع ما لا يُوصف. والواوُ ابتدائيةٌ واللاَّمُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ. وتصديرُ القِصَّةِ به لإظهارِ كمالِ الاعتناء بمضمونها أي وباللَّهِ لقد أرسلنا نوحًا إلخ. ونسبهُ الكريمُ وكيفيَّةُ بعثهِ وكميَّةُ لبثهِ فيما بينهم قد مرَّ تفصيله في سُورة الأعرافِ وسُورة هُودٍ {فَقَالَ} متعطِّفًا عليهم ومستميلًا لهم إلى الحقِّ {يَابَنِى إسراءيل اعبدوا الله} أي اعبدوه وحدَه كما يُفصح عنه قوله تعالى في سُورة هود: {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله} وتركَ التَّقييدِ به للإيذان بإنَّها هي العبادةُ فقط وأما العبادة بالإشراكِ فليستْ من العبادة في شيءٍ رأسًا. وقولُه تعالى: {مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ} استئنافٌ مسوقٌ لتعليل العبادة المأمورِ بها أو تعليلِ الأمرِ بها. وغيرُه بالرَّفعِ صفةٌ لإله باعتبارِ محلِّه الذي هو الرَّفعُ على أنَّه فاعلٌ، أو مبتدأٌ خبرُه لكُم، أو محذوفٌ.